ابراهيم بن عمر البقاعي
123
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
فقال : ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً أي بأن تمادوا على ذلك ولم يبادروا بالتوبة لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ أي إن تابوا ، لأن اللّه سبحانه وتعالى يطبع على قلوبهم فلا يتوبون توبة نصوحا يدومون عليها ويصلحون ما فسد ، أو لن توجد منهم توبة حتى يترتب عليها القبول لأنهم زادوا عن أهل القسم الأول بالتمادي ، ولم يأت بالفاء الدالة على أنه مسبب عما قبله إعلاما بأن ذلك إنما هو لأنهم مطبوع على قلوبهم ، مهيؤون للكفر من أصل الجبلة ، فلا يتوبون أبدا توبة صحيحة ، فالعلة الحقيقية الطبع لا الذنب ، وهذا شامل لمن تاب عن شيء وقع منه كأبي عزة الجمحي ، ولمن لم يتب كحيي بن أخطب وَأُولئِكَ هُمُ أي خاصة الضَّالُّونَ * أي الغريقون في الضلال ، وإليه أشار وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا [ الأنفال : 23 ] لوقوعهم في أبعد شعابه وأضيق نقابه ، فأنى لهم بالرجوع منه والتفصي عنه ! ولما أثبت لهم الخصوصية بذلك لائنا لهم فيه إلى حد أيس معه من رجوعهم تشوف السامع إلى حالهم في الآخرة فقال مبينا لهم أن السبب في عدم قبول توبتهم تفويت محلها بتماديهم على الكفر : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أي هذا الكفر أو غيره ، ويجوز أن يكون المراد أنهم ثلاثة أقسام : التائبون توبة صحيحة وهم الذين أصلحوا ، والتائبون توبة فاسدة ، والواصلون كفرهم بالموت من غير توبة ، ولذا قال : وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ ولما كان الموت كذلك سببا للخلود في النار لأن السياق للكفر والموت عليه ، صرح بنفي قبول الفداء كائنا من كان ، وربطه بالفاء فقال : فَلَنْ يُقْبَلَ أي بسبب شناعة فعلهم الذي هو الاجتراء على الكفر ثم الموت عليه مِنْ أَحَدِهِمْ أي كائنا من كان مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً أي من الذهب ، لا يتجدد له قبول ذلك لو بذله هبة أو هدية أو غير ذلك وَلَوِ افْتَدى بِهِ لو في مثل هذا السياق تجيء منبهة على أن ما قبلها جاء على سبيل الاستقصاء ، وما بعدها جاء تنصيصا على الحالة التي يظن أنها لا تندرج فيما قبلها ، كقوله صلّى اللّه عليه وسلّم « أعطوا السائل ولو جاء على فرس » « 1 » فكونه جاء على فرس يؤذن بغناه ، فلا
--> ( 1 ) يشبه الحسن . أخرجه أبو داود 1665 وأبو يعلى 6784 والديلمي في الفردوس 4972 والقضاعي في مسند الشهاب 285 والطبراني 2893 وأحمد 1 / 200 وابن أبي شيبة 3 / 113 والحلية 8 / 378 كلهم من حديث الحسين بن علي . ولفظ أبي داود وغيره : « قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : للسائل حق ، وإن جاء على فرس » . قال العراقي في الإحياء 4 / 210 : وفيه يعلى بن أبي يحيى جهله أبو حاتم ووثقه ابن حبان ا ه . وقال الذهبي : مجهول . وكذا قال الحافظ في التقريب . وأخرجه ابن عدي 4 / 187 ، 5 / 29 من حديث أبي هريرة ، وأعلّه بعمر بن يزيد المدائني ، وهو ضعيف وأخرجه أبو داود 1666 من حديث علي وقال العراقي في الإحياء 4 / 210 : وفيه شيخ لم يسم ا ه . وأخرجه مالك في الموطأ 2 / 996 عن زيد بن أسلم مرسلا . وأخرجه الطبراني في الصغير والأوسط كما في المجمع 3 / 101 من حديث -